الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2016

درس: قاعدة:اليقين لا يزول بالشك.

الفصل الثاني قاعدة:اليقين لا يزول بالشك.
     قاعدة ( اليقين لا يزول بالشك ) تدخل في جميع أبواب الفقه وهي قاعدة أساسية يتفرع منها قواعد فقهية مندرجة تحتها ويتمثل فيها ميزة من مميزات الشريعة اليسر ورفع الحرج. حيث فيها تقرير لليقين باعتباره أصلاً معتبراً، وإزالة للشك الذي كثيراً ما ينشأ عن الوسواس،لا سيما في باب الطهارة والصلاة . وكذلك في سائر المسائل والقضايا الفقهية.

المبحث الأول: مفهوم القاعدة و تطبيقاتها:
 قاعدة اليقين تتكون من ألفاظ موجزة وترتبط بها كثير من الأحكام الفقهية، تظهر من خلال تطبيقاتها في مختلف أبواب الفقه، من أول باب العبادات إلى  سائر أبواب المعاملات والعقوبات وغيرها.
المطلب الأول: مفهوم القاعدة
 ويكون بشرح مفردات القاعدة وسندها من الأدلة الشرعية.
الفرع الأول:مفردات القاعدة ومعناها:
القاعدة تتكون من لفظين "اليقين" و"الشك" وكل له مدلوله اللغوي والاصطلاحي.
1.     تعريف اليقين في اللغة وفي الاصطلاح: اليقين لغة: بمعنى العلم وهو نقيض الشك،[1]أما اليقين اصطلاحا: "وهو جزم القلب مع الاستناد إلى الدليل القطعي".[2]
2.     تعريف الشك  في اللغة وفي الاصطلاح:   الشك  في اللغة :نقيض اليقين،[3] وفي الاصطلاح: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك؛ أو هو: استواء طرفي الشيء بحيث لا يميل القلب لأحدهما فإن ترجح أحدهما فهو ظن[4] .
3.     المعنى الإجمالي للقاعدة: أن ما كان ثابت متيقناً من الأمور، لا يرتفع بمجرد طروء الشك عليه، وذلك لأن الأمر اليقيني لا يزيله  إلا ما كان أقوى منه أو ما كان مثله. والشك أضعف منه فلا يعقل أن يزيله، ثم إن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليل قاطع، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك؛ كذلك الأمر المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك؛ لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً. [5]
الفرع الثاني:أدلته مشروعية القاعدة.
قاعدة اليقين تجد سندها في القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس.
1.  من القرآن الكريم: قوله تعالى:") يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" [6](
يقول القرطبي في تفسير الآية:( للظن حالتان: حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن، كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات. والحالة الثانية: أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده، فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، وهو المنهي عنه)[7]ووجه دلالة هنا أن الظن بمعنى الوهم والشك مذموم، فلا يلتفت إليه ولا تبنى عليه الأحكام من باب أولى.  
2.     من السنة النبوية: حديث أبي سعيد الخذري، قال: قالرسول الله  صلى الله عليه وسلم:" إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان".[8]
3.     من الإجماع: فقد أجمع العلماء على أصل العمل بهذه القاعدة،ونقل الإجماع الإمام القرافي فقال: (هذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه). [9]
4.     من جهة المعقول: اليقين أقوى من الشك، لأن اليقين يتصف بالثبات والاستقرار، في مقابل أن الشك يحمل معنى التردد والاحتمال فلا يقوى على إزالة اليقين.
المطلب الثاني : تطبيقات قاعدة اليقين.
تطبق هذه القاعدة في مسائل كثير من أبواب مختلفة سواء في العبادات أو المعاملات أو العقود ومن هذه التطبيقات[10]:
Ø     إذا ثبت دين على شخص وشككنا في وفائه، فالدين باقٍ.
Ø     إذا انعقد النكاح ثم وقع الشك في الطلاق، فالنكاح باقٍ.
Ø     إذا شك في طهارة الماء أو غيره أو نجاسته، بني على اليقين.
Ø     إذا اشترى ثوبا جديدا وشك هل هو طاهر أو نجس؟ فيبني الأمر على الطهارة ولم يلزمه غسله.
Ø     إذا كان عليه حق لله عز وجل من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام، وشك هل أتى به أم لا؟ لزمه الإتيان به.
Ø      إذا شك هل مات مورثه فيحل له ماله أو لم يمت، لم يحل له المال حتى يتيقن موته.
Ø     إذا شك في حياة الرجل وموته لتوريثه، بني على يقين الحياة.
Ø      شك هل طلق واحدة أو أكثر،  بني على اليقين .
Ø     وإذا وقع الشك في وجود الرضاع أو في عدد الرضاع المحرم هل كملا أو لا، لم يثبت التحريم لأن الأصل عدمه.
Ø     لو شك هل خرجت المرأة من العدة، فالأصل أنها في العدة.
المبحث الثاني :بعض القواعد المندرجة تحت القاعدة .
  لأن قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" من القواعد الكبرى، تندرج تحتها كثير من القواعد، منها قاعدة: الأصل بقاء ماكان على ماكان، و قاعدة: لا ينسب إلى ساكت قول،لكن السكوت في معرض الحاجة بيان. وقاعدة: الأصل في الكلام الحقيقة 
المطلب الأول:قاعدة، الأصل بقاء ما كان على ما كان .
 تعرف هذه القاعدة أيضا بقاعدة الاستصحاب، و هي المادة الخامسة من مواد المجلة العثمانية و فيما يلي نتناول معنى القاعدة وفروعها.
الفرع الأول:المعنى الإجمالي القاعدة.
 لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه،أي أن ما كان محكوماً له بحكم فيما مضى ما لم يرد دليل
شرعي آخر يفيد تغير الحكم، فما كان حلالاً يبقى حلالاً إلى أن يرد دليل على الحرمة، وما كان واجباً يبقى واجباً إلى أن يرد دليل ينقله من الوجوب إلى الندب، وما كان طاهراً يبقى طاهراً إلى أن يرد دليل يفيد النجاسة، وهكذا في جميع الأشياء ينسحب الأمر عليه .
  فالأصل في المياه الطهارة، والأصل في المعاملات والأطعمة والعادات الحل، والأصل في الأبضاع الحرمة إلا النكاح الصحيح، الأصل براءة الذمة، والأصل في الذبائح والصيد الحرمة إلا ذبائح أهل الكتاب، والأصل في العبادات التوقيف. [11]
  الفرع الثاني:تطبيقات القاعدة.
لهذه القاعدة فروع كثيرة في أبواب الفقه المختلفة نذكر:
·        إذا اشترى إنسان من آخر سلعة وادعى المشتري أن فيها عيباً قديماً وأنكر البائع، فالقول قول البائع، لأن الأصل عدم العيب.
·        اشترى ماء، وادعى نجاسته ليرده، فالقول قول البائع لأن الأصل طهارة الماء.
·         من أكل بعد طلوع الفجر شاكاً في طلوعه صح صيامه .
·        لو وقف بعرفة آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح حجه .
·        فإذا حُـكِم بإسلام شخص فلا يُنتقل منه إلى الكفر إلا ببيّنة إذ الأصل بقاء ما كان، وهو الإسلام.
·        لو اشترى شخص سلعة من تاجر ، وتركها عنده، ثم عاد ليأخذها، فادعى أن التاجر قد غيرها، لم يقبل قوله حتى يقيم الدليل على صحته، ويقبل قول التاجر الذي يشهد له الأصل.
·        من أقر بدين عليه وادعى أنه قضاه فلا يقبل منه، لأن الأصل بقاء ماكان على ماكان.
·        من طلق وشك في الرجعة فهو باقٍ على طلاقه؛ لأن الطلاق قد كان في الحالة الماضية والرجعة مشكوك فيها، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالطلاق ثابت في الماضي فهو ثابت الآن. 
·       إذا اتهم رجل بتهمةٍ ما فالأصل أنه بريء منها؛ لأن ذمته كانت بريئة فهي الآن بريئة؛ لأن الأصل بقاء ما ثبت في الزمان الماضي في الزمان الحاضر، ومن ادعى خلاف ذلك فهو مطالب بالدليل.[12]

  المطلب الثاني: قاعدة،لا ينسب إلى ساكت قول.لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.
      تتفرع هذه القاعدة عن القاعدة الأم :"قاعدة اليقين لا يزول بالشك" و تجد تطبيقاتها في التصرفات القولية، وكثيرا ما يستدل بها في باب الأحوال الشخصية خاصة عند انعقاد الزواج؛ نصت عليها المجلة العثمانية في المادة 67 منها.
     الفرع الأول :المعنى الإجمالي القاعدة .
  أن الأصل عدم الاعتداد بالسكوت لمن كان قادرا على التكلم، فلا يعتد بالإشارة منه لتفسير لفظ مبهم، بخلاف غير القادر على الكلام؛ أما إذا كان في معرض الحاجة، فإن السكوت مع القدرة على الكلام   يكون إقرارا وبيانا، ومعرض الحاجة يفسر: بوجود دلالة من حال المتكلم أو ضرورة لدفع الغرر والضرر[13]، و يتضح معنى القاعدة بشقيها أكثر من خلال الفروع التالية:
الفرع الثاني:تطبيقات القاعدة
     هذه القاعدة مكونه من جزء ين :
1.    مثال الجزء الأول  (لا ينسب إلى ساكت قول ) :
ü     إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن، لأنه لابد أن تصرح بالنطق.
ü     إذا أتلف إنسان مال آخر وصاحب المال يشاهد وهو ساكت فلا يكون سكوته إذناً بالإتلاف، بل له أن يضمنه.
ü     لو سكن إنسان في دار آخر، وهي غير معدة للإجارة فسكت صاحبها، لا يعد ذلك إجارة.
ü     إذا رأى المرتهن الراهن يبيع العين المرهونة، فلا يعد سكوته إجازة ببيع الرهن.
2.     مثال الجزء الثاني (  لكن السكوت في معرض الحاجة بيان )  .
ü     إذا سكتت البنت عند استئمار وليها قبل الزواج فإن سكوتها يقوم مقام النطق، لأنه في معرض الحاجة إلى البيان .
ü     سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع يعد إسقاطاً لحقه في الشفعة.
ü  لو سأل القاضي المدعى عليه عما يقول في دعوى المدعي، فاعتصم بالسكوت، يعتبر منكراً للدعوى فيكلف المدعي الإثبات. [14] 
 المطلب الثالث: قاعدة، الأصل في الكلام الحقيقة.
     هـــذه القاعدة أيضاً من القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى:(اليقين لا يزول بالشك)، وهي المادة(12)في ترتيب مواد مجلة الأحكام العثمانية.
الفرع الأول:المعنى الإجمالي القاعدة.
  ومعنى قولهم الأصل في الكلام الحقيقة: حمل كلام المتكلم  لدى السامع على معناه الحقيقي؛والحقيقة في الاصطلاح هي: اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة. كلفظ السماء لكل ما علا وارتفع، ولفظ الجنة للبستان كثيف الأشجار،والمجاز معناه: اللفظ المستعمل في غير المعنى الأصلي الذي وضع له في أصل اللغة لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، كاستعمال لفظ النور للعلم أو الإسلام، وكاستعمال لفظ الأسد للقوي الشجاع. ويشترط فيه: وجود علاقة بين المعنى الأصلي، والمعنى المنقول إليه، كما يشترط وجود قرينة تدل على إرادة المتكلم للمعنى المجازي دون الحقيقي.[15]
ومعنى القاعدة: أنه تحمل ألفاظ  (الشارع، أو المكلف العاقل) على معانيها الحقيقية، إذا خلت من القرائن التي ترجح إرادة المجاز.
الفرع الثاني:تطبيقات القاعدة.
من أمثلة هذه القاعدة[16]:
1.    لو قال إنسان: أوقفت هذه الدار على حفاظ القرآن الكريم، لم يدخل في ذلك من كان حافظاً ثم نسيه، لأنه يطلق عليه حافظ مجازاً لا حقيقة.
2.    لو قال هذه الدار لزيد كان إقرارا له بالملك، حتى لو قال أردت أنها مسكنه لم يسمع.
3.     لو حلف أن لا يأكل من هذا القمح، فإنه يحنث بأكل عينه للإمكان، ولا يحنث بأكل خبزه.
4.    لو حلف لا يأكل من هذه الشاة، حنث بلحمها، لأنه الحقيقة، دون لبنها ونتاجها لأنه مجاز.
5.    أما إذا هجرت الحقِيقة، تعين العمل بالمجاز الراجح، كأن حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإنه يحنث بثمرها، وإن كان مجازا دون ورقها وأغصانها وإن كان حقيقة.



[1] ابن منظور، المرجع السابق ج13 ص457
[2] البورنو، مرجع سابق .ص169
[3] ابن منظور، المرجع السابق.ج10ص450
[4] علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني ،كتاب التعريفات .( ط1  د ار الكتب العلمية ،بيروت لبنان 1403هـ -1983م.)ص128
[5] راجع:محمد الزحيلي ،المرجع السابق ص97
[6] سورة الحجرات الآية12
[7]  أبو عبد الله محمد  شمس الدين القرطبي الجامع لأحكام القرآن ، تفسير القرطبي) ط 2، ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. دار الكتب المصرية – القاهرة، 1384هـ - 1964 م)ج13 ص332
[8] مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، مسند الصحيح .(تمحمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي – بيروت) ج1 ص400
[9]  أبو العباس شهاب الدين القرافي ، الفروق ، أنوار البروق في أنواء الفروق.(عالم الكتب،بدون طبعة وبدون تاريخ) ج1 ص111
[10] الزرقاء، المرجع السابق ص 80 وما بعدها؛البورنو، المرجع السابق، ص170
[11] محمد الزحيلي، المرجع السابق ص111
[12] راجع البورنو، المرجع السابق ص176 .الزحيلي ، المرجع السابق.
[13]  أحمد الزرقاء، المرجع السابق ص 337 و338
[14] السيوطي الأشباه والنظائر.) ط1 دار الكتب العلمية 1411هـ - 1990م) ص143، الزحيلي المرجع السابق ج1 ص161
[15] الزرقاء ، المرجع السابق ص133
[16] جلال الدين السيوطي، المرجع السابق. ص63